فخر الدين الرازي
164
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
وقع الابتداء والاختتام بذكر اللَّه فإنه يرجى أن يكون ما وقع بينهما يصير مقبولا ببركته كما في قوله : أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ [ هود : 114 ] فلو خالف المبتدئ فقال : وعليكم السلام فقد خالف السنة ، فالأولى للمجيب أن يقول : وعليكم السلام ، لأن الأول لما ترك الافتتاح بذكر اللَّه ، فهذا لا ينبغي أن يترك الاختتام بذكر اللَّه . المسألة السادسة : ان شاء قال : سلام عليكم ، وان شاء قال : السلام عليكم قال تعالى في حق نوح : يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا [ هود : 48 ] وقال عن الخليل : قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي [ مريم : 47 ] وقال في قصة لوط : قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ * [ هود : 69 ] وقال عن يحيى : وَسَلامٌ عَلَيْهِ وقال عن محمد صلى اللَّه عليه وسلم : قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ [ النمل : 59 ] وقال عن الملائكة : وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ [ الرعد : 23 ، 24 ] وقال عن رب العزة : سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ [ يس : 58 ] وقال : فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ وأما بالألف واللام فقوله عن موسى عليه السلام : فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى [ طه : 47 ] وقال عن عيسى عليه السلام : وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ / أَمُوتُ [ مريم : 33 ] فثبت أن الكل جائز ، وأما في التحليل من الصلاة فلا بد من الألف واللام بالاتفاق ، واختلفوا في سائر المواضع أن التنكير أفضل أم التعريف ؟ فقيل التنكير أفضل ، ويدل عليه وجوه : الأول : أن لفظ السلام على سبيل التنكير كثير في القرآن فكان أفضل . الثاني : ان كل ما ورد من اللَّه والملائكة والمؤمنين فقد ورد بلفظ التنكير على ما عددناه في الآيات ، وأما بالألف واللام فإنما ورد في تسليم الإنسان على نفسه قال موسى صلى اللَّه عليه وسلم : وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى [ طه : 47 ] وقال عيسى عليه الصلاة والسلام : وَالسَّلامُ عَلَيَّ * [ مريم : 33 ] والثالث : وهو المعنى المعقول ان لفظ السلام بالألف واللام يدل على أصل الماهية ، والتنكير يدل على أصل الماهية مع وصف الكمال ، فكان هذا أولى . المسألة السابعة : قال صلى اللَّه عليه وسلم : « السنة أن يسلم الراكب على الماشي ، وراكب الفرس على راكب الحمار ، والصغير على الكبير ، والأقل على الأكثر ، والقائم على القاعد » . وأقول : أما الأول فلوجهين : أحدهما : ان الراكب أكثر هيبة فسلامه يفيد زوال الخوف والثاني : أن التكبر به أليق ، فأمر بالابتداء بالتسليم كسرا لذلك التكبر ، وأما أن القائم يسلم على القاعد فلأنه هو الذي وصل اليه ، فلا بد وأن يفتتح هذا الواصل الموصول بالخير . المسألة الثامنة : السنة في السلام الجهر لأنه أقوى في إدخال السرور في القلب . المسألة التاسعة : السنة في السلام الإفشاء والتعميم لأن في التخصيص إيحاشا . المسألة العاشرة : المصافحة عند السلام عادة الرسول صلى اللَّه عليه وسلم ، قال عليه الصلاة والسلام : « إذا تصافح المسلمان تحاتت ذنوبهما كما يتحات ورق الشجر » . المسألة الحادية عشرة : قال أبو يوسف : من قال لآخر : أقرئ فلانا عني السلام وجب عليه أن يفعل . المسألة الثانية عشرة : إذا استقبلك رجل واحد فقل سلام عليكم ، واقصد الرجل والملكين فإنك إذا سلمت عليهما ردا السلام عليك ، ومن سلم الملك عليه فقد سلم من عذاب اللَّه .